هاشم معروف الحسني

49

سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )

ما تحدث به من أنباء محمد وما جرى له في الغار ، فاستعاد نشاطه وأشرقت أساريره لحديثها وانتفض يقول : قدوس قدوس ، والذي نفس ورقة بيده لئن صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى بن مريم ، وأنه لنبي هذه الأمة قولي له فليثبت ، وليكن على يقين من أمره . فانطلقت نحو بيتها بسرعة من غير أن تنتظر منه المزيد من البيان مطمئنة وكأنها تأخذ من وحي السماء ، انطلقت لتزف إليه البشرى بالنبوة التي كان يترقب ظهورها في شبه الجزيرة ابن عمها ورقة ، وعمرو بن نفيل وغيرهما من المتألهين والكهنة والرهبان ، فإذا به لا يزال نائما كما تركته فوقفت إلى جنبه ووجهها يطفح بالبشر وغابت عنها جميع الهواجس التي مرت بخيالها حينما رأته بعد رجوعه من الغار خائفا شاحب اللون . وعزّ عليها أن توقظه من نومه وظلت واقفة إلى جانبه تنظر إليه بلهفة وحنان ، وفيما هي غارقة في التفكير بمستقبله السعيد وإذا به ينتفض في فراشه ويثقل تنفسه ويتقاطر العرق من جبهته واستمر على ذلك فترة من الوقت قبل أن يعود إلى حالته الطبيعية وكأنه يستمع إلى محدث ، كل ذلك والصديقة الكبرى تنظر إليه وقد عاودها القلق لحاله . وانتبه بعد أن سرى عنه الوحي يتلو ما أوحي إليه . يا أيها المدّثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر . ونظر إليها مليا بنظرة تفيض بالشكر والامتنان وقد بدا عليها القلق لحاله فرغبت إليه أن يستمر في نومه فقال لها : لقد انتهى يا خديجة عهد النوم والراحة ، هذا الأمين جبرائيل يأمرني أن أنذر الناس وأدعوهم إلى اللّه وعبادته ، فمن ذا أدعو ومن ذا يستجيب لدعائي .